الأخبار · التمويل والاستثمار

لماذا لم يختر محمد صلاح السعودية؟ / إعادة هيكلة النموذج الاقتصادي لكرة القدم السعودية، من شراء النجوم إلى بناء صناعة الرياضة

6 ربيع الآخر 1448 هـ في 03:16

حجم النص

محمد صلاح، النجم المصري البالغ من العمر 34 عامًا، والذي ارتبط اسمه عدة مرات في السنوات الأخيرة بنوادي كبيرة في السعودية، اختار في النهاية الانتقال إلى الدوري التركي بعد انتهاء عقده مع ليفربول. ولكن لماذا لم يذهب صلاح إلى السعودية؟

أفاد الموقع المتخصص في اقتصاد الرياضة، نقلاً عن "تجارت نيوز"، أن انضمام محمد صلاح إلى نادي طرابزونسبور التركي، الذي حدث مؤخراً، يُعتبر أحد أكثر الأحداث غير المتوقعة في سوق الانتقالات الصيفية لعام 2026. فقد اختار النجم المصري البالغ من العمر 34 عاماً، والذي ارتبط اسمه عدة مرات في السنوات الأخيرة بنوادي كبيرة في السعودية، كرة القدم التركية في النهاية بعد انتهاء فترة وجوده في ليفربول. ووفقاً لتقارير رويترز، انضم صلاح إلى طرابزونسبور بعقد لمدة عامين وسيحصل على 17 مليون يورو سنوياً؛ وهو عقد يتضمن، إلى جانب الراتب، مزايا مثل حصة 20 في المائة من مبيعات السلع التجارية التي تحمل اسمه ومكافآت الأداء.
وفي هذا السياق، نشأت تساؤلات في وسائل الإعلام والرأي العام لدى المشجعين الرياضيين حول سبب عدم ذهاب لاعب يتمتع بمكانة تجارية ورياضية مثل صلاح إلى الدوري السعودي في وقت أصبحت فيه السعودية واحدة من أكبر المستثمرين في كرة القدم العالمية؟ وبناءً على ذلك، يجب دراسة الإجابة على مستويين: أولاً، قرار صلاح الاقتصادي والمهني، وثانياً، تغيير النموذج الاقتصادي لكرة القدم السعودية.

هل السعودية لا تريد صلاح؟
إن ذهاب صلاح إلى تركيا لا يعني بالضرورة أن الأندية السعودية لم تكن مستعدة لدفع الراتب الذي يريده. وفي هذا الصدد، نشرت مصادر موثوقة تقارير مختلفة حول مبلغ العروض المحتملة التي قدمتها السعودية لصلاح، ولكن لم يتم الإعلان عن رقم نهائي ورسمي من قبل النادي السعودي أو من قبل صلاح نفسه. لذلك، لا يمكن قبول الادعاء الذي أوردته بعض وسائل الإعلام بأن "السعودية لم تعد قادرة أو راغبة في دفع عقد صلاح" كحقيقة مؤكدة.
ما هو مؤكد هو اختيار صلاح لنادي طرابزونسبور. كما يظهر عقده أن المسألة لم تكن مجرد راتب ثابت، بل تضمن العقد أيضاً حقوقاً تجارية وحصة من الإيرادات المرتبطة بالعلامة التجارية للاعب. وهذه نقطة مهمة من منظور اقتصاد الرياضة، لأن صلاح هو أصل تجاري وإعلامي عالمي. لذلك، يمكن أن يكون قراره مزيجاً من الراتب، والدور الرياضي، وسوق الإعلام، والعلامة التجارية الشخصية، والمنافسة الرياضية، وظروف المعيشة.

السعودية لديها المال؛ لكن نموذج إنفاق المال قد تغير
من ناحية أخرى، إذا أردنا دراسة سبب تغير سلوك كرة القدم السعودية في سوق الانتقالات، فلا ينبغي أن نبدأ بـ "نقص المال"، لأن صندوق الاستثمارات العامة السعودي لا يزال أحد أكبر اللاعبين الاستثماريين في العالم، وقد اعتمد في أبريل 2026 استراتيجيته الجديدة للفترة 2026-2030. وتركز هذه الاستراتيجية على زيادة العائد المالي، وكفاءة الاستثمار، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وخلق أنظمة بيئية تنافسية.
كما أعلن الصندوق أن الأصول التي يديرها ارتفعت من 150 مليار دولار في عام 2015 إلى أكثر من 900 مليار دولار، واستثمر أكثر من 199 مليار دولار في مشاريع محلية سعودية بين عامي 2021 و2025. لذلك، فإن ما يحدث في كرة القدم السعودية هو، أكثر من كونه انسحاباً من الرياضة، جزء من تغيير أكبر في نموذج الاستثمار السعودي.
في المرحلة الأولى، كان الهدف هو وضع كرة القدم السعودية تحت أنظار العالم في أقصر وقت ممكن من خلال ضخ استثمارات ضخمة؛ وفي هذا الإطار، يمكن تحليل انضمام كريستيانو رونالدو ونيمار وبنزيما وماني ومحرز ونجوم آخرين. لكن المرحلة التالية هي استراتيجية البلاد لبناء صناعة رياضية اقتصادية ومستدامة.

انتقال السعودية من "شراء اللاعبين" إلى "بناء نظام رياضي"
يعتقد بعض الخبراء أن أهمية الاستراتيجية الجديدة للسعودية يمكن ملاحظتها في سياساتها الرسمية، حيث تتبع وزارة الرياضة السعودية منذ عام 2024 مشروعاً للاستثمار في الأندية وخصخصتها. وللمشروع مسارين رئيسيين: نقل ملكية الأندية إلى الشركات والمؤسسات التنموية، وعرض بعض الأندية للخصخصة. وفي عام 2024، وافق مجلس الوزراء على وثيقة خصخصة 14 نادياً رياضياً.
وحدث مثال مهم جداً في عام 2026، حيث نقل صندوق الاستثمارات العامة السعودي 70 في المائة من نادي الهلال إلى شركة المملكة القابضة. وأعلن أن قيمة نادي الهلال في هذه الصفقة بلغت حوالي 1.4 مليار ريال سعودي، وأكد الصندوق أن هذا النقل تم بهدف تحقيق العائد، وتحرير قيمة الأصول، وإعادة تخصيص رأس المال في الاقتصاد السعودي.
وبناءً على ذلك، يجب القول إنه إذا كان هدف السعودية في هذه السنوات هو فقط شراء النجوم الرياضيين، فلن يكون هناك سبب لنقل ملكية نادي من صندوق الثروة السيادي إلى مستثمر خاص. ولكن إذا كان الهدف هو بناء صناعة رياضية، فيجب أن يتحول النادي من "أصل حكومي" إلى كيان اقتصادي قابل للتقييم والاستثمار.

إصلاح الوضع المالي للأندية؛ علامة مهمة على تغيير النهج
التطور الآخر هو إصلاح النظام المالي لكرة القدم السعودية. فقد أعلنت وزارة الرياضة في البلاد في يوليو 2025 أن مسؤولية الإشراف المالي ستنتقل من لجنة الاستدامة المالية التابعة لوزارة الرياضة إلى لجنة الإشراف المالي للدوري المحترفين. وفي الوقت نفسه، بدأ مشروع لتحسين الأداء المالي للأندية يركز على تنفيذ الميزانية، ومراقبة التكاليف التشغيلية، والحد من الالتزامات المالية المستقبلية. وهذه السياسة هي عكس نموذج "كلما كان لدينا المزيد من المال، ننفق أكثر".
وحتى برنامج دعم الأندية تحول إلى التمويل القائم على الأداء؛ فقد أعلنت وزارة الرياضة السعودية في عام 2025 أن النموذج الجديد لدعم الأندية يأخذ في الاعتبار معايير مثل حوكمة الشركات، وتطوير الرياضات المختلفة، وحضور الجماهير، وتطوير البنية التحتية، والتحول الرقمي، والدعم المالي المباشر. وبالتالي، فإن السعودية تحول "الميزانية الرياضية" إلى آلية تحفيزية لإصلاح أداء الأندية.

صلاح؛ ليس علامة على نهاية كرة القدم السعودية
يعتقد الخبراء أنه لا ينبغي تفسير انتقال محمد صلاح إلى تركيا على أنه علامة على "نهاية مشروع كرة القدم السعودي". بل قد يكون له معنى عكسي، لأن السعودية لا تزال تستثمر في الرياضة، وتستعد لكأس العالم 2034، وتدفع قدماً بخصخصة الأندية، وتصلح النظام المالي لكرة القدم. وبالتالي، فإن ما تغير هنا هو نوع الاستثمار.
حاولت السعودية في المرحلة الأولى أن تظهر أنها قادرة على شراء نجوم العالم؛ والآن يجب أن تظهر أنها قادرة على خلق الدخل، وفرص العمل، والعلامة التجارية، والسياحة، والاستثمار، والقيمة الاقتصادية المستدامة من خلال الرياضة. ومن هذا المنظور، فإن عدم ذهاب صلاح إلى السعودية قد يكون، أكثر من كونه قصة "عدم قدرة السعودية على شراء نجم"، علامة على دخول كرة القدم السعودية مرحلة يجب فيها أن يكون كل عقد كبير مبرراً من الناحية الاقتصادية أيضاً. وهذا هو بالضبط النقطة التي تدفع مشروع الرياضة السعودي من برنامج مكلف لجذب النجوم إلى صناعة رياضية في إطار رؤية 2030.
مهدي حاجيوند، خبير في اقتصاد الرياضة
نهاية الرسالة.