نهاية عصر وكلاء اللاعبين التقليديين في كرة القدم
قد يكون هناك وكلاء خارقون في كرة القدم، لكن نموذج عملهم يتغير.
وفقاً للموقع المتخصص في اقتصاد الرياضة، نقلاً عن وكالة تسنيم، كان يمكن العثور على أهم أصول وكيل كرة القدم حتى قبل بضع سنوات في دفتر هاتفه: مئات الأرقام الخاصة بمدراء الأندية والمدربين واللاعبين، وثقة النجوم، والقدرة على إجراء مكالمة واحدة يمكن أن تغير مصير صفقة انتقال بقيمة مئات الملايين من اليورو. لكن سوق كرة القدم يتغير، وهذه المرة أصبح الوكلاء أنفسهم هدفاً للاستثمار.
في أواخر عام 2025، استثمرت واحدة من أكبر شركات الاستثمار في العالم، جولدمان ساكس، حوالي مليار دولار في شركة إدارة الرياضة "إكسل سبورتس مانجمنت"؛ وهي خطوة تشير بوضوح إلى تغير الهيكل الاقتصادي لصناعة تمثيل الرياضيين.
وفي كرة القدم أيضاً، تتحرك الوكالات الكبرى نحو الاندماج وإنشاء شبكات دولية. وفي هذا النموذج، لم يعد الوكيل الشهير بالضرورة هو من يدير جميع شؤون النجم بمفرده، بل مجموعة من المتخصصين القانونيين والماليين والتجاريين والإعلاميين والمحللين يقفون إلى جانب اللاعب.
وهذا الاتجاه يقرب كرة القدم الأوروبية تدريجياً من النموذج السائد في الرياضة الأمريكية؛ وهو نموذج لا تحصل فيه الوكالة على الدخل من انتقال اللاعب فحسب، بل تدير أيضاً العقود والإعلانات والحقوق الإعلامية والاستثمارات وحتى الأنشطة التجارية خارج الملعب.
شهدت كرة القدم في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين ظهور جيل جديد من "الوكلاء الخارقين". أشخاص مثل جورج مينديز، ومينو رايولا، وجوناثان بارنيت، وكيا جورابشيان، لم يكونوا مجرد وسطاء للانتقالات؛ بل أصبحوا لاعبين أقوياء في سوق كرة القدم.
جورج مينديز هو مثال بارز على هذا الجيل. فبعد موسم واحد فقط من التألق مع خاو فلينس في بنفيكا، تمكن من إتمام انتقال اللاعب إلى أتلتيكو مدريد مقابل 127 مليون يورو؛ وهي صفقة كانت واحدة من أغلى الصفقات في تاريخ كرة القدم في ذلك الوقت. وحصل مينديز أيضاً على حوالي 36 مليون يورو من هذه الصفقة، لأنه كان يمتلك، وفقاً للتقارير، 30 في المائة من الحقوق الاقتصادية للاعب.
وتُقدَّر اليوم قيمة مجموع اللاعبين الذين تديرهم وكالة "جيستيفوت" بحوالي 1.86 مليار يورو. وفي ديسمبر 2025، حصل مينديز أيضاً على جائزة أفضل وكيل كرة قدم للمرة الثالثة عشرة في حفل "جلوب سوكر".
وللجيل الجديد منافسون مختلفون. أحد الأمثلة البارزة هو جاي-زي، المغني والمنتج الموسيقي ورجل الأعمال الأمريكي، الذي أسس شركة "روك نيشن" في عام 2008، وأطلق قسمها الرياضي "روك نيشن سبورتس" بعد خمس سنوات. وتمثل هذه الشركة اليوم أكثر من 100 لاعب كرة قدم، ومن بين عملائها فينيسيوس جونيور، ويان ديموند، وغابرييل مارتينيللي.
ويشير هذا التغيير إلى أن السوق لم يعد يتشكل بالضرورة حول شخصية الوكيل؛ بل يمكن أن يكون لعلامة تجارية وشركة ورأس مالها وبنيتها التحتية نفس القدر من الأهمية.
لكن نمو نفوذ الوكلاء الخارقين لم يمر دون ردود فعل. فكلما تدفق المزيد من الأموال إلى هذه الصناعة، زادت التساؤلات حول حجم العمولات، وتضارب المصالح، وشفافية أنشطة الوسطاء.
وفي عام 2023، حاولت الفيفا السيطرة بشكل أكبر على هذه السوق من خلال تطبيق قواعد جديدة لعمل وكلاء كرة القدم. وتشمل هذه القواعد اشتراط الحصول على ترخيص، والحد من العمولات، وتقييد بعض أشكال تمثيل اللاعب والنادي في نفس الوقت.
ووفقاً لهذا الإطار، يمكن للوكيل الذي يمثل اللاعب فقط أن يحصل، في ظروف معينة، على ما يصل إلى ثلاثة في المائة من أجره؛ أما في حالة تمثيل اللاعب والنادي في نفس الوقت، فقد تصل هذه النسبة إلى ستة في المائة. كما تم تحديد سقف للعمولة بنسبة 10 في المائة من مبلغ الانتقال بالنسبة لوكيل النادي البائع.
وقد واجهت هذه الإصلاحات مقاومة واسعة من الوكلاء، وتم الطعن في تنفيذ أجزاء منها في بعض الدول الأوروبية. ومع ذلك، في يوليو 2026، أقرت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في النهاية بحق هيئات كرة القدم في تطبيق قواعد صارمة على سوق الوكلاء.
ورغم هذه القيود، لا يزال سوق التمثيل ينمو. ففي عام 2025، دفعت الأندية حوالي 1.37 مليار دولار كعمولات للوكلاء؛ وهو رقم يقارب ضعف ما كان عليه في العام السابق، ويُعتبر رقماً قياسياً تاريخياً. وفي العام نفسه، لعب الوكلاء دوراً في 3100 عملية انتقال دولية.
وكان نمو إيرادات هذه الصناعة طبيعياً أن يجذب انتباه المستثمرين الكبار. فوكيل كرة القدم، حتى لو كان ناجحاً للغاية، لديه قدرة محدودة على تطوير عمله، لكن الشركة يمكنها شراء وكالات أخرى، وإضافة عملائها إلى مجموعتها، لتصبح شبكة عالمية.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك دخول شركة "بروين كابيتال" إلى سوق تمثيل كرة القدم. ففي عام 2024، أنشأت الشركة هيكل "آس1" وضمّت أربع وكالات أوروبية تحت مظلة واحدة. وكانت النتيجة شبكة تضم أكثر من 300 لاعب ومدرب من 35 دولة، من بينهم لاعبين مثل برونو فرنانديز، ولويس دياز، ومويسيس كايسيدو.
وفي التصنيف الأخير لـ "سييس فوتبول أوبسرفاتوري"، احتلت وكالة "سي إيه إيه ستيلار/بيز" المرتبة الأولى بين الوكالات العالمية. وتمثل هذه الشركة 84 لاعباً تُقدَّر قيمتهم الإجمالية بحوالي 2.56 مليار يورو. وبعد ذلك، تأتي "جيستيفوت" بـ 1.86 مليار يورو، و"ذا تيم" بـ 1.27 مليار يورو، و"إل تي تي سبورتس" بـ 1.1 مليار يورو، و"روغون" بمليار يورو.
وفي هذا النموذج الجديد، لم يعد الوكيل شخصاً منفرداً. فخلف اللاعب، تعمل مجموعة من المحامين والمحللين ومتخصصي التسويق وخبراء الإعلام والمستشارين الماليين.
لكن تحول السوق لا يعني فقط أن الشركات الكبرى أصبحت أكثر قوة. فبعض أكبر نجوم كرة القدم يفضلون الابتعاد حتى عن هذه الهياكل.
فبالنسبة للاعب الذي يحقق دخلاً سنوياً بعشرات الملايين من اليورو، قد يكون تشكيل فريق شخصي من المحامين والمستشارين الماليين ومتخصصي الأعمال أكثر جاذبية من دفع عمولة دائمة لوكالة ما.
كيليان مبابي هو مثال بارز على هذا النموذج. حيث يتم إدارة جزء كبير من أنشطته المهنية والتجارية من خلال هيكل عائلي وشركات مملوكة له. وكان الحفاظ على حقوق صورته بالكامل أثناء انتقاله إلى ريال مدريد أحد أهم إنجازات هذا النموذج.
وفي عام 2026، أعلن طاقم مبابي أيضاً أنه قرر العمل بدون وكيل وإدارة مسيرته المهنية بشكل مباشر. ويشير هذا القرار إلى أن بعض اللاعبين يفضلون امتلاك سيطرة أكبر على قراراتهم المهنية والمالية.
دخول "البيانات" إلى المفاوضات
المنافس الجديد للوكلاء التقليديين ليس فقط المستثمرون والمكاتب العائلية، بل البيانات والتحليلات أيضاً تغير السوق.
فاليوم، لم يعد اللاعب مضطراً للاعتماد فقط على ادعاء وكيله لتحديد قيمته الحقيقية. ويمكن لشركات متخصصة في تحليل كرة القدم تقديم تقارير دقيقة للغاية حول الأداء، والقيمة السوقية، والملاءمة التكتيكية، والقدرة على توليد الدخل، وحتى الاتجاه المحتمل لقيمة الانتقال في السنوات القادمة.
وتقوم شركات مثل "أناليتيكس إف سي" بإعداد تقارير خاصة من عشرات الصفحات للاعبين، حيث يتم تحليل الأداء الفردي، وتأثيره على نتائج الفريق، والخصائص التكتيكية، والقيمة المحتملة له في السوق.
وهذا التحول يحد من القوة التقليدية للوكلاء، التي كانت تعتمد إلى حد كبير على المعلومات والاتصالات الحصرية. ويمكن للاعب اليوم الحصول على جزء من قوة التفاوض مباشرة من سوق البيانات والتحليلات.
وفي النهاية، من المرجح أن يكون مستقبل سوق وكلاء كرة القدم ليس في يد "وكيل خارق" على غرار مينديز أو رايولا، بل في يد مزيج من رأس المال والتكنولوجيا والبيانات والشبكات العالمية والفرق المتخصصة.
قد يستمر وجود الوكلاء الخارقين، لكن نموذج عملهم يتغير. ففي كرة القدم الحديثة، لم يعد امتلاك أرقام هواتف مدراء الأندية كافياً؛ فقد أصبح رأس المال والمعلومات والقدرة على بناء بنية تحتية عالمية بنفس قدر أهمية الاتصالات.
نهاية الرسالة/