الأخبار · اقتصاديات وأعمال الرياضة · الأندية
التحوّل الرقمي في قطاع الرياضة؛
من الرضا إلى تحقيق الدخل الجديد
لقد أصبحت التجربة الرقمية فرصةً لتحقيق الدخل، وجذب الرعاة، وتطوير السوق، وزيادة القيمة الاقتصادية للأصول الرياضية للأندية.
أفاد الموقع المتخصص في اقتصاد الرياضة، نقلاً عن "تجارت نيوز"، أن صناعة الرياضة لم تعد تقتصر في هذه الأيام على ما يحدث في ساحة المنافسة؛ فالجمهور اليوم يريد أن يعيش تجربة مستمرة وتفاعلية ومناسبة لاهتماماته قبل بدء المنافسة، وأثناء مشاهدتها، وحتى بعد انتهاء المباراة. إن الوصول إلى الإحصاءات اللحظية، ومشاهدة ملخصات المباريات، وشراء التذاكر والمنتجات عبر الإنترنت، والمشاركة في الاستطلاعات، والتواصل المباشر مع النادي، هي جزء من التوقعات الجديدة للجماهير الرياضية؛ توقعات أصبحت أكثر اتساعًا مع تطور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
يُطلق على "التجربة الرياضية الرقمية" مجموعة التفاعلات التي يقيمها المشجع عبر الموقع الإلكتروني، أو التطبيق، أو شبكات التواصل الاجتماعي، أو البث عبر الإنترنت، أو الأدوات الذكية، أو تقنيات التفاعل مع نادي أو دوري أو رياضي أو حدث رياضي. ويمكن أن تكون هذه التجربة مكملة للحضور في الملعب، أو أن تخلق تواصلاً مستمراً مع الفريق المفضل للمشجع الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن مكان إقامة المباراة.
ووفقاً لتحليل أجرته مجموعة بوسطن للاستشارات (Boston Consulting Group) ونُشر في فبراير 2026، فإن النجاح الاقتصادي للأندية والدوريات يعتمد أكثر من أي وقت مضى على قدرتها على التواصل المباشر مع المشجعين، وتخصيص تجربة الجمهور، وتحويل هذا التواصل إلى إيرادات قابلة للقياس. وفي مثل هذه الظروف، لم تعد المنافسة الرياضية مجرد منافسة للفوز باللقب؛ بل أصبحت المنافسة لجذب انتباه الجمهور والحصول على حصة أكبر من وقته وماله أمراً مهماً أيضاً.
كيف تتحول التجربة الرقمية إلى إيرادات؟
يتمثل التأثير الاقتصادي الأهم للتجربة الرقمية في إتاحة إمكانية تحقيق إيرادات تتجاوز يوم المباراة. ففي النموذج التقليدي، كان جزء كبير من إيرادات النادي يعتمد على بيع التذاكر، وحقوق البث، والإعلانات الخارجية، وعقود الرعاية. لكن الأدوات الرقمية تتيح تطوير نماذج إيرادات أكثر تنوعاً.
أولاً، البيع المباشر للمشجعين. يمكن للنادي أن يولد إيرادات مستمرة من خلال العضويات المدفوعة، والمحتوى الحصري، والبث عبر الإنترنت، وبيع المنتجات الرسمية، وتقديم خدمات خاصة. ثانياً، زيادة قيمة عقود الرعاة. فعندما يمتلك النادي معلومات موثوقة ومجمعة عن اهتمامات الجمهور، ومستوى تفاعلهم، وسلوكهم الشرائي، يمكنه تقديم عروض إعلانية أكثر استهدافاً وتقييم فعالية استثمار الراعي بشكل أفضل.
ثالثاً، زيادة المبيعات وولاء العملاء. يمكن أن يؤدي تقديم عروض التذاكر أو المنتجات أو الخدمات التي تتناسب مع تاريخ شراء المشجع واهتماماته إلى زيادة احتمالية إعادة الشراء. رابعاً، خفض التكاليف التشغيلية من خلال التذاكر الإلكترونية، والإدارة الذكية لدخول المشاهدين، والبيع غير المباشر للوجبات والمنتجات، وتحليل الطلب.
وتؤكد تقارير شركة ديلويت (Deloitte) أيضاً على دور بيانات المشجعين في تحسين تجربة الجمهور، وزيادة فعالية العقود التجارية، وتعزيز الإيرادات الإعلامية. وهكذا، لم تعد البيانات مجرد منتج ثانوي للنشاط الرقمي؛ بل يمكن أن تصبح أحد الأصول الاقتصادية للنادي.
من كريستال بالاس إلى الملاعب الذكية
تُعد تجربة نادي كريستال بالاس (Crystal Palace Football Club) في الدوري الإنجليزي الممتاز مثالاً على الربط بين التحول الرقمي وتحقيق الإيرادات. ووفقاً لدراسة حالة نشرتها شركة UNRVLD للتكنولوجيا والتجربة الرقمية، تمكن النادي من خلال إعادة تصميم منصته الرقمية، وتكامل معلومات المشجعين، وتقديم محتوى يتناسب مع اهتماماتهم ووضع عضويتهم، من زيادة الإيرادات الناتجة عن العضويات بنسبة 40 في المائة.
كما أفاد التقرير عن نمو بنسبة 78 في المائة في جلسات المستخدمين بعد إطلاق الموقع الإلكتروني الجديد، وتسجيل مليون جلسة في التطبيق خلال أبريل 2025. وهذه الأرقام هي نفسها التي وردت في التقرير الخاص بالمشروع نفسه، ولا ينبغي نسب جميع نمو الإيرادات إلى تقنية معينة دون معلومات إضافية.
وفي مثال آخر، يستخدم ملعب إنتويت دوم (Intuit Dome)، الذي يستضيف مباريات فريق لوس أنجلوس كليبرز (Los Angeles Clippers) في الدوري الأمريكي لكرة السلة (National Basketball Association – NBA)، شاشات كبيرة ومتعددة الأغراض، والبث المباشر، ومرافق تفاعلية لإثراء تجربة المشاهدين. ويوضح هذا النهج أن حتى الحضور الفعلي في الملعب يمكن أن يتطور من خلال الخدمات الرقمية، مما يخلق فرصاً جديدة للترفيه والإعلان والتفاعل التجاري.
وفي هذه النماذج، لا تقتصر القيمة الاقتصادية للتكنولوجيا على بيع منتج رقمي واحد؛ بل تنبع من مزيج من تحسين تجربة المشجع، وزيادة التفاعل، وتطوير المبيعات، وتقديم قيمة قابلة للقياس للشركاء التجاريين.
الفرص والتحديات التي تواجه الرياضة الإيرانية
بالنسبة للأندية الإيرانية، يمكن أن تكون التجربة الرقمية وسيلة لتطوير سوق المشجعين وتنويع الإيرادات؛ خاصة بالنسبة للأندية التي تتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة، لكن إيراداتها التجارية لا تتناسب مع هذه الإمكانية.
إن إنشاء نظام موحد للمشجعين، وبيع المنتجات الرسمية عبر الإنترنت، والعضويات الخاصة، وتقديم المحتوى الحصري، والبث الرقمي المرخص، وبرامج الولاء، وإنشاء منصات تفاعلية للرعاة، هي من بين الإجراءات التي يمكن أن تنشط هذه الإمكانية تدريجياً. على سبيل المثال، يمكن لنادي كرة قدم، بدلاً من تقديم نفس الإعلانات لجميع الجمهور، أن يصمم حملات تتناسب مع مجموعات مختلفة من المشجعين، مع مراعاة اللوائح وموافقة المستخدمين، وأن يقيس أداء كل حملة بناءً على مستوى المشاهدة والمشاركة والمبيعات.
لكن تحقيق هذه الفرص لا يقتصر على إنشاء البنية التحتية التقنية. فقد يؤدي غياب المعلومات المنظمة، وضعف التجارة الإلكترونية، وقيود الدفع، والمسائل المتعلقة بحقوق الإعلام، والأمن السيبراني، وحماية البيانات الشخصية، إلى عرقلة نجاح مثل هذه البرامج. ومن ناحية أخرى، فإن عدد المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي وحده ليس مؤشراً مناسباً لتقييم القيمة الاقتصادية لمجتمع المشجعين؛ فما يهم هو مستوى التفاعل الحقيقي، ومعدل تحويل الجمهور إلى عملاء، والإيرادات الناتجة عن كل مشجع، وتكلفة الاحتفاظ به وجذبه.
ولتقييم أداء هذه الاستثمارات، يجب على الأندية قياس مؤشرات مثل الإيرادات الرقمية، ومعدل تجديد العضوية، ومتوسط شراء كل مشجع، ومعدل تحويل الزائر إلى مشترٍ، وعائد الاستثمار في التسويق بشكل مستمر.
التجربة الرقمية: جزء من الاستراتيجية الاقتصادية للنادي
لا تصبح التجربة الرقمية ميزة تنافسية مستدامة إلا عندما تصبح جزءاً من الاستراتيجية الاقتصادية للنادي، وليس مجرد نشاط للعلاقات العامة أو حضور على شبكات التواصل الاجتماعي. ويجب أن تساعد التكنولوجيا في حل مشكلة تجارية محددة، مثل زيادة المبيعات، أو خفض التكاليف، أو جذب جمهور جديد، أو تعزيز قيمة العقود التجارية.
وأخيراً، لن تكون أندية المستقبل مجرد منظمات تقيم المباريات؛ بل ستكون كيانات تتواصل مع المشجعين طوال العام، وتفهم احتياجاتهم، وتحول هذا التواصل إلى قيمة متبادلة للجمهور والنادي والمستثمر.
وفي هذا الإطار، لم تعد التجربة الرقمية تكلفة جانبية، بل استثماراً محتملاً لتطوير اقتصاد الرياضة؛ استثمار يعتمد عائده على جودة التنفيذ، ومعرفة السوق، والقدرة على تحويل البيانات والتفاعل إلى قيمة اقتصادية.
مهدي حاجيوند، خبير في اقتصاد الرياضة
نهاية الخبر